فوزي آل سيف

120

من قصة الديانات والرسل

كانت روحه معلّقةً بالملأ الأعلى، أي أنّه لم يكن من أهل الدنيا. كان شديدَ الخوف من الله؛ إذا ذُكرت أمامه الجنة حسبته ستخرج روحه شوقًا إليها، وإذا ذكرت النارُ يهيم على وجهه. ولذلك ذُكر في بعض الروايات أنّ زكريا النبي كان إذا أراد أن يعظ بني إسرائيل - وكان في ذلك الوقت بنو إسرائيل قد تعمقت فيهم الحالة المادية إلى أقصى درجاتها؛ يعظهم باستمرار في هذا الجانب ويحذرهم من نار جهنم والعذاب الأخروي، ويرغبهم في الآخرة. فينظر نبي الله زكريا إلى الحضور؛ فإذا كان فيهم ابنه يحيى؛ كان يُعرِض عن ذكر نار جهنم؛ رحمةً وشفقةً بابنه يحيى. فمثل هذا الشخص لا يناسب أنْ تكون له زوجةٌ وأولاد. بالإضافة إلى أنّ كونه حصورًا حكمةٌ من الله - عز وجل- لأن أيَّ امرأة سيصعب عليها العيش مع إنسان بهذه الصفات. بيانٌ مهم: في الشريعة الإسلامية لا يجوز الانصراف عن الدنيا كليةً بحجة التبتّل والانقطاع إلى الله، بل إنّ شريعتنا سهلةٌ يسيرة سمحة متوازنة؛ تطعمك الدنيا بالحلال كما شئت - وهذا ليس قدحًا في الشرائع السماوية السابقة؛ فالمشرِّع واحدٌ؛ غير أنّ كلّ شريعةٍ تراعي الظرف الذي وجدتْ فيه، والناسَ الذين جاءت لهم -. فقد روي أنّ امرأة دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقالت: أصلحك الله إني امرأة متبتلة فقال: وما التبتل عندك؟ قالت: لا أتزوج، قال: ولم؟ قالت: ألتمس بذلك الفضل، فقال: انصرفي فلو كان ذلك فضلا لكانت فاطمة عليها السلام أحق به منك إنه ليس أحد يسبقها إلى الفضل.[336] أمّا ما يخصُّ رغبةَ نبي الله يحيى عليه السلام عن النساء؛ فكانت طريقةً ممدوحةً بحسب التشريع السماوي آنذاك. ولعلَّ هذا التوجيه الروحي المبالغ فيه يهدف إلى تنبيه المجتمع اليهودي الغارق في الماديات إلى ضرورة التعلّق بالخالق وما يستلزمه من تذكر الآخرة وما فيها من نعيمٍ وعقاب. 4. كان ذا زهدٍ وخوفٍ من الله بشكلٍ استثنائي: و ينقل مفارقة بين عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا عليهما السلام؛ إذ كان عيسى أكثرَ تفاؤلاً برحمة الله، بينما كان يحيى أكثرَ حزنًا وخوفًا من الله عز وجل. فيقال أن يحيى لقى عيسى عليهما السلام، وعيسى متبسم، فقال يحيى عليه السلام: ما لي أراك لاهيًا كأنك آمن؟ فقال عليه السلام: ما لي أراك عابسًا كأنك آيس؟ فقالا: لا نبرح حتى ينزل علينا الوحي، فأوحى الله إليهما: أحبكما إليَّ الطلق البسام، أحسنكما ظنا بي.[337] • يستفاد من الروايات أن يحيى عليه السلام كان في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر صريحًا وواضحًا ومباشر اللهجة؛ بخلاف طريقة عيسى بن مريم عليه السلام الذي كان يضرب الأمثال حالَ وعظه، ويتكلّم بلغةٍ عامة دون أنْ يوجّه خطابه إلى مُعيّنٍ. • ويُذكر أنّ أصولَ النبي يحيى أصولٌ مسيحيةٌ. وقد ذكرَ المؤرخون المسلمون في ذيل الحديث عن سبب تسميته بالمعمدان؛ أنّه في التراث المسيحي يُسمى (يوحنا المعمدان) لأنه كان يعمّد الناس. وورود مفردة (التعميد) في حقّ يحيى عليه السلام في الموروث الإسلامي كثيرٌ؛ لكنّه منقول عن المصادر المسيحية الأصلية. ولم نقف على فكرة تعميده للناس في المصادر الإسلامية

--> 336 الكليني، الكافي- ط الاسلامية 5 /509 337 ابن أبي الحديد، عبد الحميد: شرح نهج البلاغة ٦ /٣٣٣